ابن أبي الحديد

61

شرح نهج البلاغة

نعلم كنه الباري سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة ، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون : إنا نعرف حينئذ كنهه ، فهو عليه السلام رد قولهم ، وقال : إنه لا وقت أبدا على الاطلاق تعرف فيه حقيقته وكنهه ، لا الآن ولا بعد الآن ، وهو الحق ، لأنا لو رأيناه في الآخرة وعرفنا كنهه لتشخص تشخصا يمنع من حمله على كثيرين ، ولا يتصور أن يتشخص هذا التشخص إلا ما يشار إلى جهته ، ولا جهة له سبحانه . وقد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف ب‍ " زيادات النقضين ( 1 ) " ، وبينت أن الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الأشعري لا بد فيها من إثبات الجهة ، وأنها لا تجري مجرى العلم ، لان العلم لا يشخص المعلوم ، والرؤية تشخص المرئي ، والتشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخص ذا جهة . واعلم أن نفي الإحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع ، منها قوله تعالى : " ولا يحيطون به علما " ( 2 ) ومنها قوله : " ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير " ( 3 ) وقال بعض الصحابة : العجز عن درك الإدارك إدراك ، وقد غلا محمد بن هانئ فقال في ممدوحة المعز أبي تميم معد بن المنصور العلوي : أتبعته فكري حتى إذا بلغت * غاياتها بين تصويب وتصعيد ( 4 ) رأيت موضع برهان يلوح وما * رأيت موضع تكييف وتحديد ( 5 ) وهذا مدح يليق بالخالق تعالى ، ولا يليق بالمخلوق . فأما قوله : " فطر الخلائق . . . " إلى آخر الفصل ، فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز ، فقوله : " فطر الخلائق بقدرته " من قوله تعالى : " قال من رب السماوات والأرض

--> ( 1 ) كذا في ب ، وفي أ : " زيادات التقصير " ، ولم أعثر على ذكر له في كتب التراجم والفهارس . ( 2 ) سورة طه 110 . ( 3 ) سورة الملك 4 . ( 4 ) ديوانه 210 . ( 5 ) الديوان : " برهان يبين " .